سعيد عطية علي مطاوع
133
الاعجاز القصصي في القرآن
اتفاق يضعها الداعي بين أيدي المدعوين ليلتقوا معه عليها ، فيكون ذلك أدعي للإصغاء إليه والإقبال عليه . . ثم تلخّص الآية الكريمة عناصر القوة في شخصيته : " إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا " . . إذا فهو يتقدم إلى ساحة الدعوة ومعه أسلحته . . إيمانا وخلقا وحكمة ، فمن مظاهر حكمته عليه الصلاة والسلام مناداته لأبيه : يا أبت . فحق الأبوة يفرض عليه ألا يناديه باسمه المجرد ، وحق الدعوة يتقاضاه أن يكون في خطابه رفيعا رقيقا ، ولذلك لم يقل يا أبي ، وإنما : يا أبت ، بما تحمله زيادة التاء من زيادة بر ومودة ، ثم أنه يكررها أكثر من مرة ، وذلك ليخفف بالتكرار من حدّة والده ، وليفرض عليه بها إحراجا يمنعه من مبادرته بالثورة ، أو تأخيرها علي الأقل . . . ثم يتجه إبراهيم إلى مخاطبة عقل أبيه : " يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا " . . وبعد ذلك يتجه عليه السلام إلى وجدان أبيه ليهزه بعمق : " يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا " . ويلاحظ هنا أن إبراهيم عليه السلام لا يريد الضغط علي قلب أبيه بالتخفيف ليفجره تفجيرا ، لكنه فقط ينبّه ، يضئ شمعته ، فلعلها تنير الطريق . والآيات التالية توضح لنا ذلك : أ - لم يؤكّد إبراهيم عليه السلام وقوع العذاب . . . وإنما هو فقط يخاف وقوعه . . . ب - ثم إنه يخاف من العذاب أن " يَمَسُّهُ " لا أن يسحقه . ج - ويخاف أن يمسّه من قبل " الرحمن " ولا يقول من " الْجَبَّارُ " مثلا . أي أنه لا يضغط بعنف ، لكنه يعبر الطريق إلى قلبه برفق ولين ، لعله يلين . . يقول ابن القيّم تعليقا علي موقف إبراهيم : وتأمّل قول إبراهيم الخليل لأبيه : " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " . . . فابتدأ خطابه بذكر أبوّته الدالة علي توقيره ، ولم يسمّه باسمه . ثم أخرج الكلام معه مخرج السؤال : فقال لم